فخر الدين الرازي

163

النبوات وما يتعلق بها

الفصل الأول في تمييز هذا الطريق عن الطريق المتقدم اعلم « 1 » : أن القائلين بالنبوات فريقان : أحدهما : الذين يقولون : أن ظهور المعجزات على يده ، يدل على صدقه . ثم انا نستدل بقوله على تحقيق الحق ، وابطال الباطل . وهذا القول هو الطريق الأول ، وعليه عامة أرباب الملل والنحل « 2 » . والقول الثاني : أن نقول : انا نعرف أولا أن الحق والصدق في الاعتقادات ما هو ؟ وأن الصواب في الأعمال ما هو ؟ فإذا عرفنا ذلك ، ثم رأينا انسانا يدعو الخلق إلى الدين الحق ، ورأينا أن لقوله أثرا قويا في صرف الخلق من الباطل إلى الحق ، عرفنا انه نبي صادق ، واجب الاتباع . وهذا الطريق أقرب إلى العقل ، والشبهات فيه أقل . وتقريره لا بدّ وأن يكون مسبوقا بمقدمات : المقدمة الأولى : اعلم أن كمال حال الانسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، والمراد منه : أن كمال حاله محصور في أمرين : أحدهما : أن تصير قوته النظرية كاملة بحيث يتجلى فيها صور الأشياء وحقائقها ، تجليا كاملا ناما ، مبرأ عن الخطأ والزلل .

--> ( 1 ) عبارة النسخ : « القسم الثاني ممن كتاب النبوات في تقرير القول بالنبوة على طريق آخر ، وفيه فصول . الفصل الأول في تمييز . . . الخ » . ( 2 ) وهو الصحيح لأن الناس لما كانوا يكرهون من يتميز عليهم ، يطلبون من الّذي يقول لهم : انى نبي ، يطلبون منه شيئا خارقا للعادة ، وهو المعجزة . واللّه تعالى يظهر المعجزة دلالة على أنه صادق ، وهذا واضح من معجزات صالح وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام . أما الطريق الثاني وهو كون النبي كاملا ، ويقدر على تكميل الناقصين ، فقول يقول به من الفلاسفة من ينكر خرق العادات ، وينكر الملائكة . وهو قول باطل ، لأن القرآن أشار المعجزات في اثبات النبوة .